الشيخ حسين بن الحسن الريار بكري
79
تاريخ الخميس في أحوال أنفس النفيس
الذي ملك الأرض هو نمروذ ليس بصحيح لان أهل العلم بالمتقدّمين يذكرون أن نسب نمروذ في النبط معروف ونسب الضحاك في الفرس مشهور وانما الضحاك استعمل نمروذ على السواد وما اتصل به يمنة ويسرة وجعله وولده عمالا على ذلك وكان هو ينتقل في البلاد وكان وطنه ووطن أجداده دماوند من جبال طبرستان وهناك رمى به افريدون حين ظفر وكذلك بخت نصر ذكر بعضهم أنه ملك الأرض جميعها وليس كذلك وانما كان أصبهبد ما بين الأهواز إلى أرض الروم من غربى دجلة من قبل لهراسب لان لهراسب كان مشتغلا بقتال الترك مقيما بإزائهم ببلخ وهو بناها لتطاول مقامه هناك لحرب الترك ولم يملك أحد شبرا من الأرض مستقلا برأسه فكيف الأرض جميعها وانما تطاولت مدّة نمروذ بالسواد أربعمائة سنة ثم رجل من نسله بعد هلاكه يقال له نبط بن قعود مائة سنة ثم كداوص بن نبط مائة وعشرين سنة ثم النمروذ بن يابش سنة وشهرا أيام الضحاك فظنّ الناس في نمروذ ما ذكرنا فلما ملك افريدون وقهر الازدهايى قتل نمروذ بن يابش وشرد النبط وقتل منهم مقتلة عظيمة انتهى كلام الكامل * وبين مولد إبراهيم وهجرة نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ألفان وثمانمائة وثلاث وتسعون سنة على اختيار المؤرّخين والاختلاف في ذلك كثير ولما سقط إبراهيم إلى الأرض نزل جبريل وقطع سرّته وأذن في أذّنه وكساه ثوبا أبيض ويوم ولادته سمع نمروذ من تحت سريره الذي هو جالس عليه انتفاضا شديدا وسمع هاتفا يقول تعس من كفر باله إبراهيم فقال نمروذ لآزر أسمعت ما سمعت قال نعم قال فمن إبراهيم قال آزر لا أعرفه فأرسل إلى السحرة والكهنة وسألهم عن إبراهيم فلم يجيبوه بشيء مع علمهم به ورأى نمروذ أن القمر قد طلع من ضلع آزر وبقي نوره كالعمود الممدود بين السماء والأرض وسمع قائلا يقول جاء الحق وزهق الباطل ونظر إلى الأصنام وهي متنكسة عن كراسيها فاستيقظ فزعا وقص رؤياه على آزر فخاف آزر على نفسه منه وقال انما ذلك لكثرة عبادتي لها وكان نمروذ بليدا جبانا فرضى بقول آزر وسكت واختلف في مولد إبراهيم قيل بالسوس من أرض الأهواز وقيل ببابل * وفي العمدة هي بابل العراق وسميت بذلك لتبلبل الألسن بها عند سقوط صرح نمروذ وقيل ولد بكوثى بضم أوّله وبالثاء المثلثة مقصورا وهي بالعراق معلومة بسواد الكوفة وقيل ولد بكسكر * وفي القاموس كسكر كجعفر كورة قصبتها واسط وقيل ولد بحرّان ولكن أباه نقله إلى بابل أرض نمروذ بن كنعان * وفي معالم التنزيل قال أهل التفسير ولد إبراهيم عليه السّلام في زمن نمروذ بن كنعان وكان نمروذ أوّل من وضع التاج على رأسه وتجبر وطغى في الأرض ودعا الناس إلى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له انه سيولد في بلدك في هذا العام غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء * وقال السدّى رأى نمروذ في منامه كأن كوكبا طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما نور ففزع من ذلك فزعا شديدا فدعا السحرة والكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا هو مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة فيكون هلاكك وزوال ملكك وأهل بيتك على يديه فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشرة رجلا فان حاضت المرأة خلى بينها وبين زوجها لأنهم كانوا لا يجامعون في الحيض فإذا طهرت حال بينهما فرجع آزر فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فواقعها فحملت بإبراهيم * وقال محمد بن إسحاق بعث نمروذ إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها الا ما كان من أمّ إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها لأنها كانت جارية حديثة السنّ لم يعرف الحمل في بطنها * وقال السدّى خرج نمروذ بالرجال إلى المعسكر ونحاهم عن النساء تخوّفا من ذلك المولود أن يكون فمكث كذلك ما شاء اللّه ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأتمن عليها أحدا من قومه الا آزر فبعث إليه ودعاه وقال له ان لي حاجة أحب أن أوصيك بها